وهبة الزحيلي
89
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
أشد بياضا من اللبن لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ أي لذيذة لمن شربها ، بخلاف خمر الدنيا ، فإنها كريهة عند الشرب ، قال الحسن البصري : خمر الجنة أشد بياضا من اللبن ، له لذة لذيذة لا فِيها غَوْلٌ أي لا تغتال عقولهم فتذهب بها ، ولا يصيبهم منها مرض ولا صداع وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ يسكرون ، بخلاف خمر الدنيا . قرئ بفتح الزاي وكسرها ، من نزف الشارب وأنزف : سكر ، فهو نزيف ومنزوف . قاصِراتُ الطَّرْفِ قصرن أبصارهن على أزواجهن ، فلا يردن غيرهم عِينٌ أي ضخام الأعين حسانها ، جمع عيناء : وهي المرأة الواسعة العين مع حسنها كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ شبههن في الصفاء والبياض المخلوط بشيء من الصفرة ببيض النعام المستور بريشه من الريح والغبار . والمكنون : المصون من الغبار ونحوه . وهذا اللون وهو البياض المشوب بصفرة أحسن ألوان النساء . فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ أي أقبل بعض أهل الجنة على بعض ، حال شربهم ، يسألون عن أحوالهم التي كانت في الدنيا ، وذلك من تمام نعيم الجنة قَرِينٌ خليل وصاحب في الدنيا ، كافر بالبعث ، منكر له . لَمَدِينُونَ مجزيون بأعمالنا ، ومحاسبون بها ، بعد أن صرنا ترابا وعظاما ؟ قالَ المؤمن ذلك القائل لإخوانه مُطَّلِعُونَ معي إلى النار ، لننظر حال ذلك القرين الذي قال لي تلك المقالة ، كيف منزلته في النار ؟ فَاطَّلَعَ ذلك المؤمن إلى النار فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ رأى قرينه في وسط النار قالَ له شماتة إِنْ كِدْتَ قاربت ، و إِنْ : مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن واللام هي الفارقة لَتُرْدِينِ لتهلكني بإغوائك وتوقعني في النار وَلَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي ورحمته علي بالإيمان والهداية لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ معك في النار ، المسوقين للعذاب أَ فَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ أي أنحن مخلدون غير ميتين ؟ وهو قول أهل الجنة إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى غير موتتنا التي في الدنيا ، وهذا قول صادر من دواعي الابتهاج والسرور بما أنعم اللّه عليهم من نعيم الجنة الذي لا ينقطع ، فهو استفهام تلذذ وتحدث بنعمة اللّه تعالى ، من تأييد الحياة وعدم التعذيب وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ أي لسنا بمعذبين . إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ أي إن ما فيه أهل الجنة من النعمة والخلود والأمن من العذاب ، لهو الفوز الساحق الذي لا يقدر قدره . ويحتمل أن يكون هذا من كلام أهل الجنة ، وأن يكون كلام اللّه تقريرا لما يقولون . لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ أي هذه هي التجارة الرابحة ، وهو الهدف الأمثل الذي يسعى إليه العاملون ، لا العمل للدنيا الزائفة ، فلنيل مثل هذا يجب أن يعمل العاملون ، لا لحظوظ الدنيا المشوبة بالآلام ، السريعة الزوال . ويحتمل أن يكون هذا أيضا من كلام أهل الجنة أو كلام اللّه .